محمد حسين علي الصغير
160
مجاز القرآن خصايصه الفنية وبلاغته العربية
باعتباره يكون سببا لدخول النار واستحقاقها ، لا أنهم حقيقة يتناولون النار بالأكل ، ولما كان أكل أموال اليتامى ظلما يسبب دخول النار كان التجوز بالتعبير عنه بالنار ناظرا إلى هذه الحقيقة . وفي الآية ( ج ) عبر عن إرادة الإهلاك بالإهلاك تجوزا ، وذلك بقرينة « فجاءها بأسنا » إذ لا معنى لوقوع الإهلاك ، ومجيء البأس بعده ، وإنما يأتي البأس فيحدث الإهلاك عنده ، وإنما عبر عنه بالإهلاك رأسا ، لأنه سبب الإرادة المقتضية للإهلاك ، فكان ذلك من باب تسمية السبب باسم المسبب على ما يذهبون إليه . 5 - وفي كل من قوله تعالى : أ - وَآتُوا الْيَتامى أَمْوالَهُمْ « 1 » . ب - إِنَّهُ مَنْ يَأْتِ رَبَّهُ مُجْرِماً « 2 » . مجاز لغوي مرسل ، أريد به تسمية الشيء باسم ما كان عليه ، ففي الآية ( أ ) المراد باليتامى الذي كانوا يتامى ، وإعطاء أموالهم وإيتاؤها إنما يكون بعد البلوغ ، ولا يتم بعد البلوغ ، فسماهم يتامى باعتبار ما كانوا عليه قبل البلوغ . وفي الآية ( ب ) سمى هذا الإنسان مجرما لا في حالته تلك يوم القيامة ، بل باعتبار ما كان عليه حاله في الحياة الدنيا من الإجرام ، فنظر إلى ما كان عليه في السابق ، وأطلقه هنا تجوزا ، وإلا فالمجرم يوم القيامة ذليل متهافت واهن لا يقوى على التمتع يومئذ بأية صفة من صفات الإجرام الدنيوية كمظاهر الجبروت والطغيان والعناد والإصرار والقوة ، بل وحتى إرادة المعصية صغيرة أو كبيرة ، وما أشبه ذلك ، إذ ليس هو هناك في مثل تلك الحال ، وإنما نظر إليه في تعبير الإجرام باعتبار ما كان عليه من الإجرام في الدنيا .
--> ( 1 ) النساء : 2 . ( 2 ) طه : 74 .